أبي الفرج الأصفهاني
480
الأغاني
رأيت ذعرك مما رأيت ؛ وحديث هذا إذا سرنا العشيّة إن شاء اللَّه تعالى أحدّثك به . قال : فلمّا ركبنا قلت : الحديث ! قال : نعم ! قدمت من عند الوليد بن يزيد بالدّنيا ، وكتب إلى يوسف بن عمر مع فرّاش فملأ يدي أصحابي [ 1 ] ، فخرجت أبادر الطائف . فلمّا امتدّ لي الطريق وليس يصحبني فيه خلق ، عنّ لي [ 2 ] أعرابيّ على بعير له ، فحدّثني ، فإذا هو حسن الحديث ، وروى لي الشّعر فإذا هو / راوية ، وأنشدني لنفسه فإذا هو / شاعر . فقلت له : من أين أقبلت ؟ قال : لا أدري . قلت : فأين تريد ؟ فذكر قصّة يخبر فيها أنّه عاشق لمريئة قد أفسدت عليه عقله ، وسترها عنه [ 3 ] أهلها وجفاه [ 4 ] أهله ، فإنّما يستريح إلى الطريق ينحدر مع منحدريه ويصعد مع مصعديه . قلت : فأين هي ؟ قال : غدا ننزل بإزائها . فلمّا نزلنا أراني ظربا [ 5 ] على يسار الطريق ، فقال لي : أترى ذلك الظَّرب ؟ قلت : أراه . قال : فإنّها في مسقطه . قال : فأدركتني أريحيّة الشباب ، فقلت : أنا واللَّه آتيها برسالتك . قال : فخرجت وأتيت الظَّرب ، وإذا بيت حريد [ 6 ] ، وإذا فيه امرأة جميلة ظريفة ، فذكرته لها ، فزفرت زفرة كادت أضلاعها تسّاقط . ثم قالت : أو حيّ هو ؟ قلت : نعم ، تركته في رحلي وراء هذا الظَّرب ، ونحن بائتون ومصبحون . فقالت : يا أبي أرى لك وجها يدلّ على خير ، فهل لك في الأجر ؟ فقلت : فقير واللَّه إليه . قالت : فالبس ثيابي وكن مكاني ودعني حتّى آتيه ، وذلك مغيربان الشمس . قلت : أفعل [ 7 ] . قالت : إنّك إذا أظلمت أتاك زوجي في هجمة [ 8 ] من إبله ، فإذا بركت أتاك وقال : يا فاجرة يا هنتاه [ 9 ] ، فيوسعك شتما فأوسعه صمتا ، ثم يقول : اقمعي [ 10 ] سقاءك ، فضع القمع في هذا السّقاء حتّى يحقن [ 11 ] فيه ، وإيّاك / وهذا الآخر فإنّه واهي الأسفل . قال : فجاء ففعلت ما أمرتني به ، ثم قال : اقمعي سقاءك ، فحيّنني [ 12 ] اللَّه ، فتركت الصحيح وقمعت الواهي ، فما شعر إلَّا باللبن بين رجليه ، فعمد إلى رشاء [ 13 ] من قدّ مربوع ، فثناه باثنين فصار على ثمان قوى ، ثم جعل لا يتّقي منّي رأسا ولا رجلا ولا جنبا ، فخشيت أن يبدو له وجهي ، فتكون الأخرى ، فألزمت وجهي الأرض ، فعمل بظهري ما ترى .
--> [ 1 ] كذا في ح . وفي سائر النسخ : « أصحابه » . [ 2 ] عنّ لي : عرض لي . [ 3 ] في ح : « وحدّ عليها أهلها » . وحدّ عليه : غضب عليه . [ 4 ] فيء ، ط : « وخلعه » ؛ يقال : خلع فلان ابنه إذا تبرأ منه . وكان في الجاهلية إذا قال قائل : هذا ابني قد خلعته ، لا يؤخذ بعد بجريرته . [ 5 ] كذا في ب ، س . والظرب : الرابية الصغيرة . وفي سائر الأصول : « ظريبا » بالتصغير . [ 6 ] كذا فيء ، ط . والحريد : المعتزل المتنحى . وفي حديث صعصعة « فرفع لي بيت حريد » أي منتبذ متنح عن الناس . وفي م : « بيت جريد » بالجيم المعجمة . وفي سائر النسخ : « جديد » وكلاهما تحريف . [ 7 ] كذا فيء ، ط . وفي سائر الأصول : « فقلت افعلي » . [ 8 ] الهجمة من الإبل : أوّلها أربعون إلى ما زادت ، أو ما بين السبعين إلى المائة ، فإذا بلغت المائة فهي هنيدة . [ 9 ] يا هنتاه : أي يا هذه ، وقيل : يا بلهاء . وتفتح النون وتسكن ، وتضم الهاء الأخيرة وتسكن . ( انظر « اللسان » مادة هنو ) . [ 10 ] قمع الإناء : وضع القمع في فمه ليصب فيه الدهن وغيره . [ 11 ] حقن اللبن ( من باب نصر ) : جمعه . [ 12 ] حينه اللَّه : لم يوفقه للرشاد . [ 13 ] الرشاء : الحبل . والقدّ : السير المقدود من الجلد . ومربوع : ذو أربع قوى .